محمد الغزالي

140

فقه السيرة ( الغزالي )

ولذلك سنتجاوز هذا البحث « 1 » إلى ما هو أيسر وأجدى ، أي إلى تسجيل المعالم المتصلة بالإسلام باعتباره رسالة عامة وتشاريع محددة . وقصة الإسراء والمعراج تهمّنا من هذه الناحية . ألم تر أنّ ( علم النفس ) لم يستبحر وينطلق إلا يوم تحرّر من البحث في الروح والخبط في مدلولها ؟ ! . [ لماذا المسجد الأقصى ؟ ] : لماذا كانت الرحلة إلى بيت المقدس ، ولم تبدأ من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى مباشرة ؟ . إنّ هذا يرجع بنا إلى تاريخ قديم ، فقد ظلّت النبوّات دهورا طوالا وهي وقف على بني إسرائيل ، وظلّ بيت المقدس مهبط الوحي ، ومشرق أنواره على الأرض ، وقصبة الوطن المحبب إلى شعب اللّه المختار « 2 » . فلما أهدر اليهود كرامة الوحي ، وأسقطوا أحكام السماء ، حلّت بهم لعنة اللّه ، وتقرّر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد ! ومن ثمّ كان مجيء الرسالة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ انتقالا بالقيادة الروحية في العالم من أمة إلى أمة ، ومن بلد إلى بلد ، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل . وقد كان غضب اليهود مشتعلا لهذا التحوّل ، مما دعاهم إلى المسارعة بإنكاره : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [ البقرة : 90 ] . لكنّ إرادة اللّه مضت ، وحمّلت الأمة الجديدة رسالتها ، وورث النبيّ العربيّ تعاليم إبراهيم وإسماعيل ويعقوب ، وقام يكافح لنشرها ، وجمع الناس عليها ، فكان من وصل الحاضر بالماضي ، وإدماج الكلّ في حقيقة واحدة أن يعتبر

--> ( 1 ) انظر البحث مفصلا في كتاب : السيرة النبوية ، للشيخ محمد محمد أبو شهبة : 1 / 407 - 428 ، وفيه ردّ على أوهام الدكتور محمد حسين هيكل . ( ن ) . ( 2 ) كل أمة أو شعب تحمّل عبء تبليغ رسالة نبيّه ، فهو شعب مختار ، فإن أدى الأمانة ، فهو من خير أمم الأرض ، وإن خانها ، فهو من شر أمم الأرض ، أما بنو إسرائيل فقد خانوا ، وقتلوا النبيّين ، فكان أن ضربت عليهم الذلة والمسكنة ، وباؤوا بغضب من اللّه . ( ن ) .